فخر الدين الرازي
467
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
من قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى هو أنه تعالى رمى قلوبهم بذلك الرعب . والجواب : أن كل ما ذكرتموه عدول عن الظاهر ، والأصل في الكلام الحقيقة . فإن قالوا : الدلائل العقلية تمنع من القول بأن فعل العبد مخلوق للَّه تعالى . فنقول : هيهات فإن الدلائل العقلية في جانبنا والبراهين النقلية قائمة على صحة قولنا ، فلا يمكنكم أن تعدلوا عن الظاهر إلى المجاز . واللَّه أعلم . المسألة الثالثة : قرئ وَلكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ . . . وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى بتخفيف ولكن ورفع ما بعده . المسألة الرابعة : في سبب نزول هذه الآية ثلاثة أقوال : الأول : وهو قول أكثر المفسرين أنها نزلت في يوم بدر . والمراد أنه عليه السلام أخذ قبضة من الحصباء ، ورمى بها وجوه القوم وقال شاهت الوجوه ، فلم يبق مشرك إلا ودخل في عينيه ومنخريه منها شيء ، فكانت تلك الرمية سبباً للهزيمة ، وفيه نزلت هذه الآية . والثاني : أنها نزلت يوم خيبر روي أنه عليه السلام أخذ قوساً وهو على باب خيبر . فرمى سهماً . فأقبل السهم حتى قتل ابن أبي الحقيق ، وهو على فرسه ، فنزلت وَما رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى والثالث : أنها نزلت في يوم أحد في قتل أبي بن خلف ، وذلك أنه أتى النبي صَلَّى اللّه عليه وسلّم بعظم رميم وقال يا محمد من يحيي هذا وهو رميم ؟ فقال عليه السلام يحييه اللَّه ثم يميتك ثم يحييك ثم يدخلك النار فأسر يوم بدر ، فلما افتدي . قال لرسول اللَّه إن عندي فرساً أعتلفها كل يوم فرقاً من ذرة ، كي أقتلك عليها . فقال صَلَّى اللّه عليه وسلّم : « بل أنا أقتلك إن شاء اللَّه » فلما كان يوم أحد أقبل أبي يركض على ذلك الفرس حتى دنا من الرسول عليه الصلاة والسلام فاعترض له رجال من المسلمين ليقتلوه . فقال عليه السلام : « استأخروا » ورماه بحربة فكسر ضلعاً من أضلاعه ، فحمل فمات ببعض الطريق ففي ذلك نزلت الآية والأصح أن هذه الآية نزلت في يوم بدر ، وإلا لدخل في أثناء القصة كلام أجنبي عنها ، وذلك لا يليق بل لا يبعد أن يدخل تحته سائر الوقائع ، لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . أما قوله تعالى : وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلاءً حَسَناً فهذا معطوف على قوله : وَلكِنَّ اللَّهَ رَمى / والمراد من هذا البلاء الأنعام ، أي ينعم عليهم نعمة عظيمة بالنصرة والغنيمة والأجر والثواب ، قال القاضي : ولولا أن المفسرين اتفقوا على حمل الابتلاء هاهنا على النعمة ، وإلا لكان يحتمل المحنة بالتكليف فيما بعده من الجهاد ، حتى يقال : إن الذي فعله تعالى يوم بدر ، كان السبب في حصول تكليف شاق عليهم فيما بعد ذلك من الغزوات . ثم إنه تعالى ختم هذا بقوله : إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ أي سميع لكلامكم عليم بأحوال قلوبكم ، وهذا يجري مجرى التحذير والترهيب ، لئلا يغتر العبد بظواهر الأمور ، ويعلم أن الخالق تعالى مطلع على كل ما في الضمائر والقلوب . [ سورة الأنفال ( 8 ) : الآيات 18 إلى 19 ] ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ( 18 ) إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئاً وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ ( 19 ) [ في قوله تعالى ذلِكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ مُوهِنُ كَيْدِ الْكافِرِينَ ] في الآية مسائل :